وفقاً لما أفادته وكالة أهل البيت (ع) للأنباء _ ابنا _ ألقى «السيد علي فضل الله»، خطبتي صلاة الجمعة، على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في "حارة حريك" بلبنان، بحضور عددٍ من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشدٍ من المؤمنين.
ومما جاء في خطبته السياسية: "لا بد من أن تبقى عيوننا على سوريا، حيث تستمر الخطة الاستكبارية في إضعاف الموقف الريادي لهذا البلد، من خلال إضعاف جيشه وحيوية شعبه، هذا الشعب الذي وقف في كل تاريخه مع المقاومة في لبنان ومع جهاد الشعب الفلسطيني، وذلك بتأجيج الصراع فيه وإعطائه بعداً مذهبياً وطائفياً، وإخراجه عن بعده الحقيقي الذي بات لا يخفى على القاصي والداني".
بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخطبة الثّانية
عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله.. ولبلوغ التّقوى، لا بدّ من الاستهداء بهدي رسول الله(ص)، هذا الرّسول الّذي حظي بتربية الله له وإعداده لحمل المسؤوليّة الكبرى. وقد تجلّى ذلك واضحاً في سيرته، فقد كان رسول الله، وقبل أن يبعث رسولاً، يدعى الصّادق الأمين، فيقال عنه: جاء الصّادق الأمين وذهب الصّادق الأمين، كما كان حليف المظلومين في مكّة. ومن هنا، كانت مشاركته في حلف الفضول؛ هذا الحلف الّذي كان الهدف منه حماية المظلومين الّذين لا يملكون القوّة، ولا سند لهم ولا ظهر، وكثيراً ما كان يعتزّ بمشاركته في هذا الحلف بعد أن بُعث نبيّاً، فكان يقول(ص): "شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت له في الإسلام لأجبت".
ونقرأ أيضاً في سيرته أنّه كان حكيم مكّة، يرجع إليه في حلّ الخلافات المستعصية، وهذا ما حصل عندما أعيد بناء الكعبة بعد أن هدمها السّيل، حيث توقّف زعماؤها عن المضيّ في البناء، بعد أن وصل البنيان إلى موضع الحجر الأسود، فأرادت كلّ قبيلة أن تتشرّف وحدها برفع الحجر الأسود إلى موضعه دون بقيّة القبائل، واختلفوا وأوشكوا على القتال، فجاء رسول الله فطلب ثوباً، ثم أخذ الحجر الأسود ووضعه فيه، ثم قال: لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثّوب، ثم رفعوه جميعاً، حتّى إذا بلغوا موضعه وضعه بيده الشّريفة، وبهذا حسم رسول الله الخلاف الّذي كاد يتطوّر إلى صراع دمويّ بين القبائل.
أيّها الأحبّة، بهذه الأخلاق وبهذه الشخصيّة، استطاع رسول الله أن يختصر الزّمن في عمله الرّساليّ، وهو بذلك أراد أن يؤكّد حقيقة لكلّ العاملين ولكلّ الرساليّين والمؤمنين، أنّ الذي يريد أن يتحمّل المسؤوليّة، أيّ مسؤوليّة، لا بدّ من أن يكون صادقاً أميناً حكيماً، حليف الحقّ والمظلومين.
مواجهة العدوّ بوأد الفتن
إنّ مشكلتنا في كلّ واقعنا هي في الكذّابين والخائنين الّذين يداهنون ظلماً وطغياناً لحساباتهم الخاصّة، ولا يحسنون التصرّف وإدارة الأمور، هؤلاء يتحمّلون مسؤوليّة هزائمنا ونكباتنا في كلّ مجالات الحياة، وهؤلاء هم سبب النّكبة الّتي تعصف بهذه الأمّة، وقد مرّت علينا ذكرى نكسة الخامس من حزيران، هذه النّكسة الّتي كان يمكن لها أن تتحوّل إلى هزيمة منكرة ليبني عليها العدوّ أمجاده وأحلامه في الاستيلاء على مزيد من الأراضي وإبقاء زمام المبادرة بيده، لولا روح المقاومة الّتي استعيدت في العالم العربي والإسلامي، والّتي تجلّت مقاومة في لبنان وفي فلسطين، هذه المقاومة الّتي كسرت عنفوان العدوّ وأسقطت هيبته، واضطرّته إلى أن يتراجع عن بعض احتلاله، ولكنّ هذا لا يعني أن نستكين، فهذا العدوّ لا يزال يعمل في اللّيل والنّهار للثّأر ممّن تسبّب بهزيمته، وإعادة زمام المبادرة إليه، وهذا ما نراه في سعيه لتعزيز جبهته الدّاخليّة، وإبقاء تفوّقه العسكريّ والأمني، والمناورات المستمرّة الّتي تحاكي هجوماً على هذا البلد العربي وذاك الإسلاميّ.
وفي الوقت نفسه، يسعى هذا العدوّ مع حلفائه لتهيئة كلّ مناخات الفتن الطائفيّة والمذهبيّة والسياسيّة، مستفيداً من الجهل والتخلّف والمنطق التكفيريّ الإلغائيّ الّذي بات مشكلة لواقعنا.
ومن هنا، ومنعاً للعودة إلى النّكسة وإلى تاريخ الهزائم، نحن مدعوّون إلى وأد الفتن في واقعنا، حيث باتت الدّماء تسيل أنهاراً في ساحات الدّاخل، وإلى تعزيز مواقع القوّة الّتي أعزّت هذه الأمّة، بتعزيز المقاومة وحفظها وحفظ مجاهديها، فلا نضطرّها لأن تتطلّع إلى الوراء كي تحمي ظهرها أو وجودها أو خطّ إمدادها، بل أن نحميها كي تتابع مسيرة القوّة وإيجاد توازن استراتيجيّ مع هذا العدوّ.
إنّنا مدعوّون أيضاً إلى أن نبقى حذرين دائماً من هذا العدوّ الغادر الّذي ينتظر أيّ فرصة ضعف لينقضّ على كلّ واقعنا، أن نبقى نتطلّع إلى فلسطين الّتي تستصرخنا، حيث يستمرّ العدوّ في مشروعه التّهويديّ من خلال مشاريعه الاستيطانيّة، وإزالة المعالم التاريخيّة الإسلاميّة والمسيحيّة، واستهدافه المستمرّ للمسجد الأقصى، وعبثه الدّائم بكلّ مقدّرات الشّعب الفلسطيني وحياته.
سوريا: الاستهداف المستمرّ
وفي الوقت نفسه، لا بدَّ من أن تبقى عيوننا على سوريا، حيث تستمرّ الخطّة الاستكباريّة في إضعاف الموقف الرّياديّ لهذا البلد، من خلال إضعاف جيشه وحيويّة شعبه، هذا الشّعب الّذي وقف في كلّ تاريخه مع المقاومة في لبنان ومع جهاد الشّعب الفلسطيني، وذلك بتأجيج الصّراع فيه وإعطائه بعداً مذهبيّاً وطائفيّاً، وإخراجه عن بعده الحقيقيّ الّذي بات لا يخفى على القاصي والدّاني.
ومن خلال ذلك، فإنّنا نعيد التّأكيد على كلّ مكوّنات الشّعب السّوريّ، وعي خطورة ما يجري، والعمل سريعاً لمدّ جسور التّواصل فيما بينهم، منعاً لاستمرار نزيف الدّم والدّمار، فلا ينتظر أن يأتيه الحوار من هذا الطّرف أو ذاك، لأنّ هذا الحوار لن يأتي سريعاً منهم، كونهم مرتاحين إلى استمرار نزيف الدّم في الدّاخل، ما دامت مصالحهم ومصالح الكيان الصّهيوني في أمان، وليبق الشّعار الدّائم للجميع في سوريا: "لأسلمنّ ما سلمت أمور السوريّين".
لبنان: الفتنة تحدق بالبلد
أمَّا لبنان، فإنَّ أبناءه يعيشون الخوف والقلق من الفتنة الّتي يسوّق لها البعض نتيجة تداعيات ما يجري في محيطهم، وارتفاع منسوب الخطاب التّوتيريّ، وإقدام البعض على التَّصويب على المؤسَّسة العسكريَّة وتعطيل دورها، ما بات يستدعي عملاً جادّاً من قبل الجميع لدراسة كلّ السّبل الآيلة لمنع تسلّل الفتنة الّتي نخشى أن يدخل على خطّها من لا يريدون لهذا البلد الأمن والاستقرار، والّتي إن حصلت، فسيصاب بشظاياها الجميع.
ومن هنا، فإنّنا نجدّد الدّعوة لضرورة لقاء إسلامي ـ إسلامي، كمقدّمة للقاء وطنيّ جامع، لدراسة كلّ السبل الآيلة إلى وأد أيّة فتنة قد يخطّط لها البعض، في الوقت الّذي نعيد التّأكيد بضرورة الخروج من الخطاب الانفعاليّ المثير للحساسيّات والعصبيّات، وحماية الجيش وإبعاده عن الصّراعات الداخليّة، ليبقى صمّام أمان هذا البلد.
إنّنا ندقّ ناقوس الخطر، لأنّه إذا لم تستطع القوى السياسيّة أن تقوم بالدّور المطلوب منها وطنيّاً وأخلاقيّاً، ولم تسع إلى إعادة تنشيط المؤسّسات السياسيّة والأمنيّة والقانونيّة وإعادة الاعتبار إليها، وبقي كلّ طرف يغرّد في موقعه ولحساباته الخاصّة أو الطائفيّة أو المذهبيّة، فإنّ الفوضى ستكون هي العنوان الّذي قد يأكل الأخضر واليابس عندنا، والكثيرون جاهزون لذلك.
وعلينا في الوقت نفسه أن لا ننسى أو نتناسى خطر العدوّ الصهيونيّ الّذي لا يتوانى عن ممارسة المزيد من الاعتداءات على الأجواء اللّبنانيّة وعبر الحدود الفلسطينيّة المحتلّة، حيث الجميع مدعوّون لمعالجة هذا الخطر وكلّ تداعياته.
أيّها المعنيّون جميعاً، أيّها المسؤولون، أيّها اللّبنانيّون: إنّ الانقسامات هي الّتي تفسح المجال للعدوّ وللآخرين للتسلّل إلى واقعنا، والعبث بأمننا وسلامنا الدّاخليّ، فتعالوا لردم الهوّة عبر الحوار الموضوعيّ البنّاء، ليسلم البلد ويسلم أمنه ومستقبله.
................
انتهی/212
وأضاف السيد فضل الله "إننا نعيد التأكيد على كل مكونات الشعب السوري، وعي خطورة ما يجري، والعمل سريعاً لمد جسور التواصل فيما بينهم، منعاً لاستمرار نزيف الدم والدمار، فلا ينتظر أن يأتيه الحوار من هذا الطّرف أو ذاك، لأن هذا الحوار لن يأتي سريعاً منهم، كونهم مرتاحين إلى استمرار نزيف الدم في الداخل، ما دامت مصالحهم ومصالح الكيان الصهيوني في أمان، وليبق الشعار الدائم للجميع في سوريا: لأسلمن ما سلمت أمور السوريين".